قانون قيصر: الفاعلية والأهداف في موقف أميركي بسند تشريعي

بواسطة عدد القراءات : 39
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

من المنتظر أن يدخل “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” حيّز التطبيق الفعلي اليوم الأربعاء، 17/ 6/ 2020، كي يدشن مرحلة جديدة من العقوبات التي ستفرضها الإدارة الأميركية على النظام السوري وحلفائه وداعميه، وتستهدف الأفراد والمؤسسات والكيانات المرتبطة بالنظام وداعميه، عبر إجراءاته العقابية، التي ستتخذ ضدهم وفق ما ينص عليه القانون.

ولم يكن سهلاً إصدار هذا القانون الذي سمي بالاسم الحركي (قيصر أو سيزر) لمصور عسكري انشقّ عن جيش النظام في منتصف العام 2013، وتمكّن من تهريب حوالي 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل مدني سوري، قضوا تحت التعذيب والتجويع داخل سجون النظام، حيث شهد القانون مراحل مختلفة، بذلت خلالها منظمات دولية عديدة، وخصوصا داخل الولايات المتحدة، جهوداً كبيرة من أجل إصداره، بعد أن أعدت مشروعه على خلفية مشاهد الصور المؤلمة والفظيعة التي سرّبها قيصر.

وبدأت رحلة القانون بالتحرّك بعد حوالي عام على انشقاق قيصر، وذلك عندما تمكّنت منظمات حقوقية أميركية من إيصال الصور إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، ثم قدّم قيصر شهادته أمام الكونغرس الأميركي، لكن إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، لم تحرّك ساكناً حيال النسخة الأولى من مشروع القانون. وعلى الرغم من أن مجلس النواب الأميركي قد صوّت عليه مرتين في عامي 2016 و2017، إلا أنه لم يصل إلى مجلس الشيوخ حتى عام 2019. ثم جرت عملية إلحاقه ضمن موازنة وزارة الدفاع الأميركية لعام 2020. وأقرّه مجلس الشيوخ في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2019، ثم وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العشرين من الشهر نفسه، ليصبح بذلك الموقف الأميركي من نظام الأسد محكوماً بسند قانوني.

نص القانون

يحددّ نص قانون قيصر (أو سيزر) الجهات والأطراف والكيانات والأفراد المستهدفين بالعقوبات، ويشملون “البنك المركزي السوري”، و”أي شخص أجنبي متورّط في توفير دعم مالي أو مادي

“الغاية من القانون تغيير سلوك النظام في سورية وداعميه، والضغظ عليهم للانخراط في مفاوضات مسار الحل السياسي”أو تقني، أو قام وساعد في صفقة كبيرة مع أي كيان للحكومة السورية أو شخصية سياسية رفيعة في الحكومة السورية، أو أي شخص أجنبي، مقاول عسكري، أو مرتزق، أو في قوة شبه عسكرية، يعمل عن عمد، بصفة عسكرية داخل سورية لمصلحة الحكومة السورية أو باسمها”.

ويشير نص القانون صراحة إلى خضوع “حكومتي روسيا أو إيران، أو شخص أجنبي تابع لتلك الدولتين” للعقوبات، و”أي جهةٍ دوليةٍ وأي شخص باع أو قدّم خدمات أو تكنولوجيا أو معلومات أو دعماً مهماً أو أي دعم آخر يسهل بشكل كبير صيانة أو توسيع الإنتاج المحلي للحكومة السورية في مجال الغاز الطبيعي أو البترول أو المنتجات البترولية”. وكذلك “أي جهة أو شخص يبيع قطع غيار للطائرات أو قطع الغيار التي تستخدم لأغراض عسكرية وخدمات بناء أو هندسة مهمة لمصلحة الحكومة السورية أو نيابة عنها، أو لأي شخص أجنبي يعمل في منطقة تخضع لسيطرة مباشرة أو غير مباشرة من قبل الحكومة السورية أو القوات الأجنبية المرتبطة مع الحكومة السورية”. ويفرض القانون عقوباتٍ على مسؤولي نظام الأسد الذين ارتكبوا انتهاكات حقوق الإنسان ضد المدنيين السوريين أو أفراد عائلاتهم. كما حدّد القانون مجموعة الأشخاص المفترض أن تشملهم العقوبات، بينهم رأس النظام السوري، ورئيس الوزراء ونائبه والوزراء، وقادة القوات العسكرية البرّية والبحرية والمخابرات، ورؤساء الأفرع الأمنية والمسؤولين في وزارة الداخلية والشرطة، إضافة إلى قادة الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، والمسؤولين في سجون النظام.

وتشمل العقوبات التي ينص عليها قانون قيصر “تجميد وحجب الملكية الخاصة بتلك الجهات أو الدول، ومنع وحظر جميع المعاملات في الممتلكات، والمصالح لتلك الجهات أو الأشخاص إذا كانت موجودة في الولايات المتحدة، أو في حوزة شخص من الولايات المتحدة”. إضافة إلى أن كل “من تشمله العقوبات يصبح غير مقبول للولايات المتحدة، أي غير مؤهلٍ للحصول على تأشيرة أو إعادته إلى الولايات المتحدة، أو الحصول على أي منفعة أخرى بموجب قانون الهجرة والجنسية، وتلغى تلقائياً التأشيرة السارية أو تأشيرة دخول أخرى موجودة في حيازة الأجنبي”. ويطلب القانون من رئيس الولايات المتحدة “إطلاع الكونغرس على استراتيجيته للمساعدة على تسهيل قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى الخدمات المالية، للمساعدة وتسهيل توصيل المساعدات بشكل آمن وفي الوقت المناسب للمجتمعات المحتاجة في سورية”، ما يعني أن القانون يستثني من العقوبات المنظمات غير الحكومية التي تقدم المساعدات الإنسانية في سورية.

وحددّت مدة قانون قيصر بخمس سنوات، بدءاً من 20 كانون الأول/ ديسمبر عام 2019،

“شكوك حول قدرة القانون على إجبار النظام للدخول في مسار الحل السياسي، وإنهاء الكارثة التي يعيشها السوريون”عندما وقع عليه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لكنه يجيز رفع العقوبات كلياً، أو تعليقها جزئياً في حال قرّر الرئيس أن شروطاً أو معايير محدّدة قد استوفتها حكومة النظام أو حكومة الاتحاد الروسي أو حكومة إيران، وتتجسّد تلك المعايير في “عدم استخدام المجال الجوي فوق سورية لاستهداف السكان المدنيين من خلال استخدام الأجهزة الحارقة، بما في ذلك البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية والأسلحة التقليدية، بما في ذلك الصواريخ والمتفجرّات، ولم تعد المناطق المحاصرة معزولة عن المساعدات الدولية مع إمكان الوصول بانتظام إلى المساعدات الإنسانية، وحرية التنقل، والرعاية الطبية”. وكذلك “توقف استهداف المرافق الطبية والمدارس والمناطق السكنية وأماكن التجمع المدني بما في ذلك الأسواق”. وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين الذين يتم احتجازهم قسراً في سجون النظام، والسماح لإجراء منظمات حقوق الإنسان الدولية التحقيقات. إضافة إلى سماح النظام بالعودة الآمنة والطوعية والكريمة للسوريين الذين شرّدهم النزاع، واتخاذ حكومة النظام خطوات يمكن التحقق منها لإقامة مساءلة ذات معنى لمرتكبي جرائم الحرب في سورية، وتحقيق العدالة لضحايا جرائم الحرب التي ارتكبها نظام الأسد.

أهمية القانون

الغاية من القانون تغيير سلوك النظام في سورية وداعميه، والضغظ عليهم للانخراط في مفاوضات مسار الحل السياسي الذي أقرّته قرارات الأمم المتحدة، بغية تحقيق عملية الانتقال السياسي في سورية. وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قد فرضت عقوباتٍ على مسؤولين في النظام السوري، ورجال أعمال موالين له، شملت حظر الأصول المالية لبعض الأشخاص والكيانات القانونية الخاضعة للولاية القضائية الأميركية، وحظر تصدير فئات معينة من السلع والخدمات إلى سورية، فإن العقوبات التي ينص عليها “قانون قيصر” تختلف عن سابقتها، لأنها تشمل كل من يتعامل مع النظام ويسانده من خارج سورية وداخلها، وستطاول مواقع ومؤسسات للنظام على عكس العقوبات السابقة التي كانت تطاول أفراداً محدّدين، لذلك أنشأ الكونغرس الأميركي لجنة متخصصة تدعى “فريق قيصر”، تضم مجموعة استشاريين من عدة دول يشملها القانون، مهمتهم إعداد لائحة بأسماء أشخاص وكيانات وشركات تدعم النظام السوري أو تتعامل معه اقتصادياً، منذ تاريخ توقيع القانون، وبالتالي فإن أهمية القانون تتجسد في كونه بات جزءاً من المنظومة القانونية الأميركية، ويمتلك آليات محددة، إلى جانب فريق عمل متخصص.

التوقيت والغايات

ويأتي تطبيق قانون قيصر (أو سيزر) في وقت يحاول فيه ساسة النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون تسويق انتصاراتهم العسكرية على المعارضة السورية، ومحاولاتهم لاستثمارها اقتصادياً وسياسياً، فيما جاء هذا القانون كي يثبط تلك المحاولات على المستوى الافتصادي، من خلال ضرب مفاصل اقتصاد النظام، عبر استهداف المرتكزات والموارد المالية له، وخصوصا المصرف المركزي، وإضافة إلى الكيانات والشبكات المرتبطة به، ووضع قيود على عمليات التبادل الاقتصادي والتجاري بين النظام وحلفائه وداعميه الإقليميين والدوليين، عبر استهداف طرق إمداده بالأموال والمعدّات التي يستخدمها في حربه ضد المدنيين السوريين.

وتريد الإدارة الأميركية من تركيزها على استخدام سلاح العقوبات المنصوص عليها في قانون

“نظام الأسد مقبل على أزمة اقتصادية متصاعدة، لكنها لا يتوقع أن تؤدّي إلى رضوخه”قيصر أن تنقل الصراع على سورية وفيها من المستويين، العسكري والدبلوماسي، إلى المستوى الاقتصادي، وبما يمكنها من تغيير سلوك النظام وتوجهاته، معتقدة أن قوة ضغوطها الاقتصادية التي ستطبقها على نظام الأسد وحلفائه وداعميه، الدوليين والإقليميين، وفق هذا القانون كافية لمنع استثمار ما حققوه عسكرياً على الأرض، وأنهم سيغيرون توجهاتهم ومساعيهم الرامية إلى إعادة تلميع وتسويق النظام، ما يعني إفشال كل ما قاموا به من جهود من أجل تثبيته، الأمر الذي يجعلهم يفكرون من جديد في البحث عن البديل والانخراط في تسويات سياسية، لذلك تكمن أهمية قانون قيصر في نقله العقوبات الاقتصادية ضد النظام السوري وحلفائه، وخصوصا الروس والإيرانيين، إلى مستوىً نوعي جديد، ربطته الإدارة الأميركية بالمصالح القومية الأميركية، من خلال إدراجها القانون ضمن ميزانية وزارة الدفاع الأميركية، ما يعني أن العقوبات المنصوص عليها في القانون ستستهدف القوى والأطراف المهددة للمصالح الأميركية، وسيشكل عامل رد لمحاولات بعص الأطراف والقوى الدولية والإقليمية الراغبة في التطبيع والتعامل الاقتصادي مع نظام الأسد، بوصفها جريمة قانونية من وجهة نظر المشرع الأميركي.

الأثر والفاعلية

اختلفت المواقف من القانون وفاعليته ومدى تأثيره على النظام السوري، ونشأت شكوك حول قدرته على إجبار النظام للدخول في مسار الحل السياسي، وإنهاء الكارثة التي يعيشها السوريون منذ بدأ حربه الشاملة عليهم قبل تسع سنوات، بالنظر إلى طبيعة نظام الأسد الاستبدادي وتركيبته المافيوية، إضافة إلى أن تجربة العقوبات الأميركية على الأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية، مثل نظام صدّام حسين وغيره، لا تشير إلى أنها حققت تأثيراً واضحاً على سلوكها ونهجها القمعي، وخصوصا أن نظام الاستبداد الأسدي لجأ في حربه إلى نهجٍ حملّ فيه المواطن السوري كل تكاليف هذه الحرب وتبعاتها، وعمد إلى الالتفاف على العقوبات الدولية السابقة، وأنشأ منظومات لهذه الحرب، وحوّل اقتصاد سورية إلى جزء منها، وقام بعمليات غسل للأموال بواسطة تجار الحرب، عبر نشاطات اقتصادية مشبوهة، وبمساعدة منظوماتٍ دوليةٍ وإقليمية، حيث لم تخف كل من موسكو وطهران دعمهما كل ما يقوم به النظام، إضافة إلى دعم قوى مليشياوية له في كل من لبنان والعراق. وبالتالي لن تحقق فعالية العقوبات الاقتصادية على النظام أهدافها في تغيير سلوكه أو نهجه، على الرغم من أن العقوبات الأميركية ستؤثر على الناتج الاقتصادي السوري، وعلى مختلف القطاعات الاقتصادية، وستترك أثراً قد يمتد سنوات طويلة، لكن النظام سيحاول اللجوء إلى حيل وألاعيب غير مشروعة، لتجاوز تبعات عقوبات قانون قيصر. لذلك هناك خشية مبرّرة للسوريين داخل مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة المعارضة من أن تسهم عقوبات قانون قيصر في زيادة معاناتهم المعيشية في ظل الانهيار الاقتصادي والبطالة والفقر المفروضة عليهم بسبب حرب النظام.

وظهرت أصوات ترفض القانون من جهة، التذرّع بالحفاظ على الدولة السورية وسيادتها، التي

“يأمل معارضون سوريون في أن تشكل عقوبات قيصر ضربة للنظام”خرّبها نظام الأسد، وباعها للروس والإيرانيين وسواهما، ومن جهة أخرى النيل من مواقف النظام “الوطنية”، وأنه يدفع ثمن دعمه المقاومة، مع العلم أنها ذرائع ومشاجب زائفة، ولا تمتلك أي مصداقية. في المقابل، يأمل معارضون سوريون في أن تشكل عقوبات قيصر ضربة للنظام، وأن تجعله راضخاً لمطالب التغيير في سورية، لكن بعضهم يتوقع أن يحوّل النظام العقوبات الأميركية بموجب قانون قيصر مشجباً تُعلّق عليه كارثة السوريين بكل تداعياتها ومظاهرها.

والحاصل أنه إذا كانت الإدارة الأميركية راغبةً فعلاً في دفع النظام نحو قبول الحل السياسي باستخدام قانون قيصر، فإنها باتت تملك سنداً قانونياً قوياً، خصوصا وأن نظام الأسد مقبل على أزمة اقتصادية متصاعدة، لكنها لا يتوقع أن تؤدّي إلى رضوخه، طالما أنه يتلقى دعم حلفائه. لذلك، يستهدف قانون قيصر ليس نظام الأسد، بل يستهدف الروس والإيرانيين وسواهم، ويعول عليهم في تغليب مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية.

شارك الخبر على